ابراهيم بن عمر البقاعي
16
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ثنى بعد مصلحة نفسه بأمر رعيته فقال : وَأَهُشُّ أي أخبط الورق ، قال ابن كثير : قال عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك : والهش أن يضع الرجل المحجن في الغصن ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره ولا يكسر العود ولا يخبط فهذا الهش ، قال : وكذا قال ميمون بن مهران ، وقال أبو حيان : والأصل في هذه المادة الرخاوة . يقال : رجل هش . بِها عَلى غَنَمِي . ولما كان أكمل أهل ذلك الزمان ، خاف التطويل على الملك فقطع على نفسه ما هو فيه من لذة المخاطبة كما قيل : اجلس على البساط وإياك والانبساط ، وطمعا في سماع كلامه سبحانه وتعالى ، فقال مجملا : وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أي حوائج ومنافع يفهمها الألبّاء . ولما كان المحدث عنه لا يعقل ، وأخبر عنه بجمع كثرة ، كان الأنسب معاملته معاملة الواحدة المؤنثة فقال : أُخْرى * تاركا للتفصيل ، فكأنه قيل : فماذا قيل له ؟ فقيل : قالَ أَلْقِها أي العصا ، وأنسه بقوله سبحانه وتعالى : يا مُوسى * فَأَلْقاها أي فتسبب عن هذا الأمر المطاع أنه ألقاها ولم يتلعثم فَإِذا هِيَ أي في الحال ظاهرا وباطنا حَيَّةٌ عظيمة جدا يطلق عليها لعظمها بنهاية أمرها اسم الثعبان ، والحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير تَسْعى * سعيا حفيفا يطلق عليها لأجله في أول أمرها اسم الجان ، فعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنها صارت حية صفراء لها عرف كعرف الفرس ، وجعلت تتورم حتى صارت ثعبانا - انتهى . فهي في عظم الثعبان وسرعة الجان . ولما كان ذلك أمرا مخيفا ، استشرف السامع إلى ما يكون من حاله عند مثل هذا بعد ذلك ، فاستأنف إخباره بقوله : قالَ أي اللّه تبارك وتعالى على ما يكون منها عند فرعون لأجل التدريب : خُذْها وَلا تَخَفْ مشيرا إلى أنه خاف منها على عادة الطبع البشريّ ؛ ثم علل له النهي عن الخوف بقوله : سَنُعِيدُها أي بعظمتنا عند أخذك لها بوعد لا خلف فيه سِيرَتَهَا أي طريقتها الْأُولى * من كونها عصا ، فهذه آية بينة على أن الذي يخاطبك هو ربك الذي له الأسماء الحسنى ، فنزلت عليه السكينة ، وبلغ من طمأنينته أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحيتها ، فإذا هي عصاه ، ويده بين شعبتيها . ولما أراه آية في بعض الآفاق ، أراد أن يريه آية في نفسه فقال : وَاضْمُمْ يَدَكَ من جيبك الذي يخرج منه عنقك إِلى جَناحِكَ أي جنبك تحت العضد تنضم على ما هي عليه من لونها وما بها من الحريق ، وأخرجها تَخْرُجْ فالآية من باب الاحتباك ، والجناج : اليد ، والعضد ، والإبط ، والجانب - قاله في القاموس ، فلا يعارض هذا ما في القصص لأنه أطلق الجناح هناك على اليد وهي أحق به ، وهنا على الجنب الذي هو موضعها تسمية للمحل باسم الحال بَيْضاءَ بياضا كالشمس تتعجب منه .